الغزالي
97
إحياء علوم الدين
بحساب مقدر ، لا يزيد ولا ينقص ، إلى أن يطويها الله تعالى طيّ السجل للكتاب وتدبر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها ، فبعضها يميل إلى الحمرة ، وبعضها إلى البياض ، وبعضها إلى اللون الرصاصى . ثم انظر كيفية أشكالها ، فبعضها على صورة العقرب ، وبعضها على صورة الحمل ، والثور ، والأسد ، والإنسان . وما من صورة في الأرض إلا ولها مثال في السماء . ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ، ثم هي تطلع في كل يوم وتغرب بسير آخر سخرها له خالقها ، ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ، ولم تعرف المواقيت ، ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام ، فكان لا يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة . فانظر كيف جعل الله تعالى الليل لباسا . والنوم سباتا ، والنهار معاشا . وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار ، والنهار في الليل ، وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص . وانظر إلى إمالته مسير الشمس عن وسط السماء حتى اختلف بسببه الصيف ، والشتاء ، والربيع ، والخريف ، فإذا انخفضت الشمس من وسط السماء في مسيرها برد الهواء وظهر الشتاء ، وإذا استوت في وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزمان . وعجائب السماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها ، وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر . واعتقد على الجملة أنه ما من كوكب من الكواكب إلَّا ولله تعالى حكم كثيرة في خلقه ، ثم في مقداره ، ثم في شكله ، ثم في لونه ، ثم في وضعه من السماء وقربه من وسط السماء وبعده ، وقربه من الكواكب التي بجنبه وبعده ، وقس على ذلك ما ذكرناه من أعضاء بدنك ، إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة . وأمر السماء أعظم . بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السماء ، لا في كبر جسم ، ولا في كثرة معانيه . وقس التفاوت الذي بينهما في كثرة المعاني بما بينهما من التفاوت في كبر الأرض ، فأنت تعرف من كبر الأرض واتساع أطرافها أنه لا يقدر آدمي على أن يدركها ويدور بجوانبها ، وقد اتفق الناظرون على أن الشمس مثل الأرض مائة ونفيا وستين مرة [ 1 ] وفي الأخبار ما يدل على عظمها . ثم الكواكب التي تراها أصغرها مثل الأرض